ابن كثير
365
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
مسكينا ، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير ، وإن صام فهو أفضل من الإطعام ، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطاوس ومقاتل بن حيان وغيرهم من السلف ، ولهذا قال تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا المسعودي حدثنا عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه ، قال : أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال ، فأما أحوال الصلاة فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس ، ثم إن اللّه عز وجل أنزل عليه : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [ البقرة : 144 ] ، فوجهه اللّه إلى مكة هذا حول ، قال : وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضا ، حتى نقسوا أو كادوا ينقسون « 1 » ، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له عبد اللّه بن زيد بن عبد ربه أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، إني رأيت فيما يرى النائم ، ولو قلت إني لم أكن نائما لصدقت ، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة ، فقال : اللّه أكبر اللّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلا اللّه - مثنى - حتى فرغ من الأذان ، ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال غير أنه يزيد في ذلك : قد قامت الصلاة مرتين قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « علمها بلالا فليؤذن بها » فكان بلال أول من أذن بها ، قال : وجاء عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال : يا رسول اللّه ، قد طاف بي مثل الذي طاف به ، غير أنه سبقني فهذان حالان ، قال : وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ببعضها ، فكان الرجل يشير إلى الرجل إذن كم صلى ؟ فيقول : واحدة أو اثنتين فيصليهما ، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم ، قال : فجاء معاذ فقال : لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها ، ثم قضيت ما سبقني ، قال : فجاء وقد سبقه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ببعضها ، قال : فثبت معه فلما قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قام فقضى ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إنه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا » فهذه ثلاثة أحوال ، وأما أحوال الصيام فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء ، ثم إن اللّه فرض عليه الصيام ، وأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا ، فأجزأ ذلك عنه ، ثم إن اللّه عز وجل أنزل الآية الأخرى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] إلى قوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] فأثبت اللّه صيامه على المقيم الصحيح ، ورخص فيه للمريض والمسافر ، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام ، فهذان حالان ، قال : وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا ، فإذا
--> ( 1 ) النّقس : الضرب بالناقوس ، وهي خشبة طويلة تضرب بخشية أصغر منها ، وكان النصارى يعلمون بها أوقات صلاتهم .